منتدى المستشار أحمد عصام السيد

دينى – ثقافى – اجتماعى – قانونى – رياضى – أدبى - فنى
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 بحوث ومقالات السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 1001
العمر : 66
دعاء :
نقاط : 2634
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: بحوث ومقالات السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية   الأربعاء يوليو 10, 2013 4:40 am

بحوث ومقالات السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية
بقلم العلامة المحقق حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ/ عبد الوهاب خلاف المفتش بالمحاكم الشرعية
الإسلام كفيل بالسياسة العادلة
مجلة المحاماة الشرعية - العدد الثالث
السنة الثانية - رجب 1349، ديسمبر 1930

السياسة العادلة لأية أمة هي تدبير شؤونها الداخلية والخارجية بالنظم والقوانين التي تكفل الأمن لأفرادها وجماعاتها والعدل بينهم، وتضمن تحقيق مصالحهم وتمهيد السبيل لرقيهم وتنظيم علاقتهم بغيرهم.
والإسلام كفيل بهذه السياسة تصلح أصوله أن تكون أسسًا للنظم العادلة وتتسع لتحقيق مصالح الناس في كل زمان وفي أي مكان وبرهان ذلك أمران أحدهما أن الأصل الأول والمصدر العام للإسلام وهو كتاب الله تعالى لم يتعرض فيه لتفصيل الجزئيات بل نص فيه على الأسس الثابتة والقواعد الكلية التي يبني عليها تنظيم الشؤون العامة للدولة، وهذه الأسس والقواعد قلما تختلف فيها أمة عن أمة أو زمان عن زمان، أما التفصيلات التي تختلف فيها الأمم باختلاف أحوالها وأزمانها فتمتد سكت عنها لتكون كل أمة في سعة من أن تراعي فيها مصالحها الخاصة وما تقتضيه حالها.
ففي نظام الحكم لم يفصل القرآن الكريم نظامًا لشكل الحكومة، ولا لتنظيم سلطانها ولا لاختيار أولي الحل والعقد فيها، وإنما اكتفى بالنص على الدعائم الثابتة التي ينبغي أن تعتمد عليها نظم كل حكومة عادلة ولا تختلف فيها أمة عن أمة فقرر العدل في قوله سبحانه (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، والشورى في قوله عز شأنه (وشاورهم في الأمر) والمساواة في قوله سبحانه (إنما المؤمنون أخوة) أما ما عدا هذه الأسس من النظم التفصيلية فقد سكت عنها ليتسع لأولي الأمر أن يضعوا نظمهم ويشكلوا حكومتهم ويكونوا مجالسهم بما يلائم حالهم ويتفق ومصالحهم، غير متجاوزين حدود العدل الشورى والمساواة.
وفي القانون الجنائي لم يحدد عقوبات مقدرة إلا لخمس فئات من المجرمين، الذي يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا، والذين يقتلون النفس بغير حق، الذين يرمون المحصنات الغافلات، والزانية والزاني والسارق والسارقة.
أما سائر الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات فلم يحدد لها عقوبات وإنما ترك لأولي الأمر أن يقدروا عقوباتها بما يرونه كفيلاً بصيانة الأمن وردع المجرم واعتبار غيره، لأن هذه التقديرات مما تختلف باختلاف البيئات والأمم والأزمان فمهد السبيل لولاة كل أمة أن يقرروا العقوبات بما يلائم حال الأمة ويوصل إلى الغض من العقوبة، وأرشد الله سبحانه إلى أصل عام لا تختلف فيه الأمم وهو أن تكون العقوبة على قدر الجريمة، فقال عز من قائل (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به)، وقال (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم).
وفي قانون المعاملات اكتفى بالنص على إباحة ما يقتضيه تبادل الحاجات ودفع الضرورات فأحل البيع والإجارة والرهن وغيرها من عقود المعاملات وأشار إلى الأساس الذي ينبغي أن تبنى عليه تلك المبادلات وهو التراضي فقال عز شأنه (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم) أما الأحكام التفصيلية لجزئيات هذه المعاملات فلولاة الأمر في كل أمة أن يفصلوها حسب أحوالها على أساس التراضي.
وكذلك اكتفى بالنص على منع المعاملات التي تفضي إلى النزاع وتوقع في العداوة والبغضاء فحرم الربا والميسر على أساس دفع الضرر وقطع أسباب الشحناء وسكت عن تفصيل الأحكام الجزئية لهذه المعاملات ليتسنى أن يكون تفصيلها في كل أمة على وفق حالها.
وفي النظام المالي فرض في أموال ذوي المال وعلى رءوس بعض الأنفس ضرائب وجهها في مصارف ثمانية مرجعها إلى سد نفقات المنافع العامة ومعونة المعوزين وترك تفصيل الترتيب لهذه الموارد وتصريفها في مصارفها لكل أمة تتبع فيه ما يلائمها.
وفي السياسة الخارجية أجمل علاقة المسلمين بغيرهم في قوله سبحانه (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون)، فالقرآن الكريم لم ينص في الشؤون العامة على تفصيل الجزئيات، وما كان هذا لنقص فيه أو قصور وإنما هو لحكمة بالغة حتى يتيسر لكل أمة أن تفصل نظمها على وفق حالها وما تقتضيه مصالحها على ألا تتجاوز في تفصيلها حدود الدعائم التي ثبتها، فهذا الذي يظن أنه نقص هو غاية الكمال في نظام التقنين الذي يتقبل مصالح الناس كافة ولا يحول دون أي إصلاح.
والثاني إن الإسلام أبان بكثير من أحكامه وحِكمه وآياته إن غايته هي تحقيق مصالح الناس ورفع الضرر عنهم، ومقصوده إقامة العدل بينهم ومنع عدوان بعضهم على بعض، يتبين هذا من حكم التشريع التي نص عليها مع الأحكام في مثل قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة)، وقوله سبحانه (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في منع بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه (أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه)، بل إن العبادات نفسها قرن التكليف بها بما يدل على أن المقصود منها إصلاح حال الناس كما قال تعالى في حكمة الصلاة (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر)، وفي الصيام (لعلكم تتقون)، وفي الزكاة (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها)، وفي الحج (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام).
وينطق بهذا قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، وقوله عز شأنه (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لا ضرر ولا ضرار)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (بعثت بالحنيفية السمحة).
وإذا كان الإسلام غايته ومقصده إصلاح حال الناس وإقامة العدل فيهم وخطته وطريقته اليسر بهم ورفع الحرج عنهم فهو بلا ريب كفيل بكل سياسة عادلة ويجد كل مصلح في أصوله وكلياته متسعًا لكل ما يريد من إصلاح ولا يقصر عن تدبير شأن من شؤون الدولة.
ورب قائل: إذا كان الإسلام كفيلاً بالسياسة العادلة يتقبل كل نظام تقتضيه مصالح أية أمة ولا يقصر عن تدبير شأن من شؤونها فلماذا اضطرت بعض الدول الإسلامية إلى الأخذ بقوانين غيرها، ولم يكن الإسلام مصدرها في سن نظمها وتشريع قوانينها، وبعبارة أخص لماذا نرى دولة إسلامية مثل مصر تأخذ من غيرها قوانين المعاملات والعقوبات وتحقيق الجنايات وطرق المرافعات ونظم الإجراءات ؟
والجواب: إن هذا ليس منشؤه قصور الإسلام ولكن تقصير المسلمين، وذلك أن الإسلام بما نص عليه من الأحكام، وبما وضعه من الأصول للاستنباط، وبما أرشد إليه من اعتبار المصالح، فيه غناء لكل دولة إسلامية لو أن المسلمين وفقوا وكان لهم في كل عصر جمعية تشريعية مؤلفة من خيرة أهل العلم بأصول الدين والبصر بأمور الدنيا وعهد إليهم أن يسايروا تطورات الناس والأزمان ويستنبطوا للوقائع المختلفة الأحكام التي تتفق ومصالح الناس ولا تخالف أصول الدين ولكنهم فرطوا في هذا فتصدى للاستنباط من هو غير أهل له وعمت فوضى الاجتهاد الفردي واضطروا لمعالجة هذه الفوضى بسد باب الاجتهاد والاقتصار على فهم وتطبيق ما استنبط الأئمة المجتهدون السابقون، وكان من نتائج هذا الوقوف تركهم وما وقفوا عنده ومسايرة الزمن بالقوانين والنظم التي تقتضيها المصلحة.
السياسة الشرعية الدستورية
أهم ما يقرر من أسس السياسة الدستورية من أي أمة أمور ثلاثة:
أولاً: شكل الحكومة والدعائم التي تقوم عليها.
ثانيًا: حقوق الأفراد.
ثالثًا: السلطات ومصدرها ومن يتولاها وسنبين ما قرره الإسلام في هذه الأسس ونتبعه بما يتصل به من مباحث الخلافة ومن هذا تتجلى سياسة الإسلام الدستورية.
1 - شكل الحكومة الإسلامية ودعائمها:
اتفقت كلمة علماء القانون على أنه لا بد من تحديد علاقة القوة الحاكمة بالأمة المحكومة حتى يمكن التوفيق بين سلطان الحاكم وحرية المحكوم، ومن اختلاف هذه العلاقات اختلفت أشكال الحكومات وتنوعت إلى دستورية واستبدادية، وتعددت أشكال كل واحدة من النوعين.
والناظر في آيات الكتاب الكريم وصحاح السنة يتبين أن الحكومة الإسلامية دستورية وأن الأمر فيها ليس خاصًا بفرد وإنما هو للأمة ممثلة في أولى الحل والعقد لأن الله سبحانه جعل أمر المسلمين شورى بينهم وساق وصفهم بهذا مساق الأوصاف الثابتة والسجايا اللازمة كأنه شأن الإسلام ومن مقتضياته، فقال عز من قائل في سورة الشورى (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، وأمر الرسول المعصوم أن يشاور في الأمر فقال سبحانه (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر)، وجعل الطاعة لأولي الأمر والمرجع إليهم فقال عز شأنه (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)، ووردت في السنة عدة أحاديث تدعو إلى الشورى، وكان عمله - صلى الله عليه وسلم - وسنن الراشدين من بعده على التشاور وعدم الاستقلال بالأمور.
وكذلك تضافرت الأدلة على أن الرياسة العليا في الحكومة الإسلامية ليست حقًا لقريش ولا لغير قريش لأنه لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة الصحيحة ما يدل على أن أمر المسلمين بعد رسول الله يكون في أسرة خاصة ولأفراد معينين ومقتضى ترك هذا التعيين أن يكون أمر الرياسة العليا موكولاً إلى الأمة تختار له من تشاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف على الناس أحدًا ولو كان الأمر وراثيًا لعهد به إلى صاحبه، والمسلمون لما اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة على إثر وفاة الرسول واختلفوا فيمن يلي الأمر بعده كانت حجج الفريقين المختلفين ناطقة بأنهم لا يعرفون الأمر حقًا لمعين حتى أن بعض الأنصار دعا إلى بيعة سعد بن عبادة وبعضهم قال للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير وأبو بكر لما حجهم بأن الأئمة من قريش لم يحجهم به على أنه نص من الدين ولكن على أنه نظر صحيح لما لقريش إذ ذاك من العصبية والمنعة، وقد بين أبو بكر نفسه وجهة هذا النظر إذ قال: (إن هذا الأمر إن تولته الأوس نفسته عليهم الخزرج وإن تولته الخزرج نفسته عليهم الأوس ولا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش)، ولو كان نصًا من الدين ما خفي على جميع من كان في السقيفة من الأنصار والمهاجرين ما عدا أبا بكر وما احتاج أبو بكر إلى حديث المنافسة بين الأوس والخزرج وما ساغ لعمر أن يقول وهو يفكر زمن خلافته فيمن يستخلفه (لو كان سالم مولى حذيفة حيًا لوليته) إذ كيف يولي مولى بعد ما سمع في السقيفة أن الأئمة من قريش ويؤيد هذا النصوص الواردة بالاعتماد على الأعمال لأعلى الأنساب وبالتبرؤ من عصبية الجاهلية وبأن أكرم الناس عند الله أتقاهم.
ومن هذا يتبين أن دعائم الحكومة في الإسلام هي الشورى ومسؤولية أولي الأمر واستمداد الرياسة العليا من البيعة العامة.
وهذه دعائم تعتمد عليها كل حكومة عادلة لأن مرجعها كلها أن يكون أمر الأمة بيدها وأن تكون هي مصدر السلطات.
وقد قضت الحكمة أن تقرر هذه الدعائم غير مفصلة لأن تفصيلها مما يختلف باختلاف الأزمان والبيئات، فالله أمر بالشورى وسكت عن تفاصيلها ليكون ولاة الأمر في كل أمة في سعة من وضع نظمها بما يلائم حالهم فهم الذين يقررون نظام انتخاب رجالها والشرائط اللازمة فيمن ينتخب وكيفية قيامهم بواجبهم وغير ذلك مما تتحقق به الشورى ويتوصل به إلى الاشتراك في الأمر اشتراكًا يحقق أن أمر المسلمين شورى بينهم.
وكذلك نظام المسؤولية وكيف يؤدي رجال الشورى واجب النصح وتقديم ما يمكن أن يطرأ ترك تفصيله لتراعي فيه المصلحة ومقتضيات الزمن.
ومثله البيعة ومن يتولاها وشرائطها وكل ما يتعلق بها مما يحقق الغرض منها وإذا لا يمكن القول بأن في الإسلام قصورًا عن مسايرة الزمن في شكل الحكومة الملائمة لأن الإسلام أقر أسسًا عادلة لا تختلف فيها أمة عن أمة، وأفسح للناس في أن يقرروا على هذه الأسس ما يرونه من التفصيلات كفيلاً بمصالحهم وملائمًا لأحوالهم.
وإذا كان المسلمون أهملوا تنظيم هذا الشورى حتى ذهبت روحها وجرؤ بعضهم أن يقول إنها مندوبة لا محتومة، وأغفلوا المسؤولية حتى استقل بأمرهم ولا تهم وخرست الألسنة عن النصيحة وصمت الآذان عن سماعها، وأضاعوا البيعة ومسخوها حتى جعلوها أمرًا صوريًا لا يحقق الغرض منها ولا يشعر بإرادة الأمة.
إذا كانوا قد فعلوا هذا حتى ظهرت حكوماتهم في كثير من الأزمان على أشكال بعيدة عن شكل الحكومات الدستورية فليس هذا من الإسلام ولكنه من إهمال المسلمين.
2 - حقوق الأفراد:
من الأسس التي تبنى عليها النظم الدستورية كفالة حقوق الأفراد والمساواة بينهم في التمتع بها، ولا يخلو قانون أساسي لحكومة دستورية من تقرير الحرية والمساواة وتشريع الأحكام الكفيلة بتحقيقها وصونها.
وجميع الحقوق على تعددها ترجع إلى أمرين عامين: الأول الحرية الشخصية، والثاني المساواة بين الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية.
الحرية الشخصية:
المراد من الحرية الشخصية أن يكون الشخص قادرًا على التصرف في شؤون نفسه وفي كل ما يتعلق بذاته، آمنًا من الاعتداء عليه في نفس أو عرض أو مال أو مأوى أو أي حق من حقوقه، على أن لا يكون في تصرفه عدوان على غيره، ومن هذا التعريف يتبين أن الحرية الشخصية تتحقق بتحقق أمور، وأنها معنى مكون من حريات عدة وهي حرية الذات، وحرية المأوى، وحرية الملك، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأي، وحرية التعليم، ففي تأمين الفرد على هذه الحريات كفالة لحريته الشخصية، وهذا ما قرره الإسلام في شأن هذه الحريات.
الحرية الفردية أو حرية الذات:
في أحكام الإسلام ما يقرر هذه الحرية ويؤمن الفرد على ذاته من أي اعتداء: وذلك أن الإسلام حد حدودًا بأوامره ونواهيه؛ وشرع لمجاوزة هذه الحدود عقوبات، بعضها مقدرة وهي الحدود، وبعضها موكول تقديره إلى ولاة الأمر وهي التعازير، فلا جريمة إلا في تعدي حدود الله، ولا عقوبة إلا على وفق ما شرع الله، واتفقت كلمة علماء الإسلام على أن العقوبات مما لا تثبت بالرأي والقياس وأنها لا تثبت إلا بالنص، وجاء في القرآن الكريم قوله عز شأنه (ولا عدوان إلا على الظالمين)، وقوله تعالى (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) ففي النهي عن العدوان إلا على ظالم وفي الأمر بأن يكون الاعتداء على الظالم مماثلاً لاعتدائه لا يزيد، وفي قصر الجريمة على مخالفة حدود الله، ومنع تشريع العقوبات بالرأي والقياس كفالة للحرية الفردية، وتأمين من الاعتداء على الذات، وجميع ما في كتاب الله وسنة رسوله، من النهي عن الظلم والإيذاء للمسلم والذمي، يؤيد حرية الذات وأمان الإنسان من أذى غيره.
حرية المأوى:
في أحكام الإسلام ما يكفل هذه الحرية: فإن النفي والإبعاد عقوبة لم يذكرها القرآن الكريم إلا جزاءً للذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا، قال تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم).
وفي القرآن الكريم والسنة تقرير حرمة المسكن قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحدًا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم، وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا، هو أزكى لكم، والله بما تعملون عليم). وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع).
حرية الملكية:
الإسلام أقر هذه الحرية وكفلها بأحكام عدة:
منها أن كل ما شرعه الله من التصرفات التي تفيد نقل ملكية العين أو منفعتها، من بيع وإجارة وقرض وغيره، جعل أساس صحته ونفاذه حرية المتصرف ورضاه واختياره، فالركن الأول لصحة المبادلات المالية التراضي والأصل في هذا قوله عز شأنه: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم).
ومنها النهي في مواضع عدة في القرآن والسنة عن التعدي على مال الغير وأخذه من مالكه بغير حق، قال تعالى (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)، وقال عز شأنه (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا).
وليس تقرير عقوبة السارق وتضمين الغاصب إلا ضمانًا لحرية الملكية. قال تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما)، وقال عليه السلام (لا يحل لأحد أن يأخذ متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا، فإن أخذه فليرده عليه)، وقال (على اليد ما أخذت حتى ترد).
ومما يؤيد حق الملكية في أحكام الإسلام قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن كان يغبن في المبادلات (إذا بايعت فقل: لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام)، ونهيه عن بيع الغرر، فإن في تجويز شرط الخيار والنهي عن بيع الغرر ضمانة لتحقق رضا المالك بالتبادل وعدم خروج الملك من مالكه وفي نفسه شبهة قهر أو خداع له، بل أن تقرير حق الشفعة إذا نظر إليه من ناحية أنه لدفع الضرر عن الجار أو الشريك يؤيد احترام الملكية وإحاطة المالك بما يدفع عنه الضرر ويحول بينه وبين الانتفاع بملكه.
حرية الاعتقاد:
الإسلام أقر هذه الحرية، وترك لكل فرد الحرية التامة في أن يكون عقيدته بناءً على ما يصل إليه عقله ونظره الصحيح: وذلك أن الإسلام جعل أساس التوحيد والإيمان البحث والنظر، لا القهر والإلجاء، ولا المحاكاة والتقليد، ففي كثير من آي الكتاب الكريم لفت الناس إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء، ليهتدوا هم بهذا النظر إلى الإيمان الصحيح والدين الحق، كقوله تعالى: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء)، وقوله تعالى: (إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون)، وفي كثير من الآي الكريمة نعي على من آمن بطريق التقليد لا بطريق البحث والنظر، كقوله تعالى: (بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون)، وفي كثير من الآي نفي للإيمان بطريق الإكراه والقسر كقوله تعالى: (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي)، وكقوله تعالى: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، وكقوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين).
فإذا كان أساس الاعتقاد في الإسلام النظر العقلي والبحث والتفكير في آيات الله ولا محاكاة، ولا تقليد، ولا إلجاء، ولا إكراه، فليس أضمن لحرية الاعتقاد من هذا، ويؤيده ما جاء في الكتاب الكريم من أنه لا سلطان للداعي غير سلطان التذكير والموعظة الحسنة، قال تعالى لرسوله: (فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر).
هذا ما يؤيد حرية الاعتقاد في الإسلام وأما ما يقرر حماية إقامة الشعائر، فإن الإسلام جعل لغير المسلمين الحرية التامة في أن يقيموا شعائر دينهم في كنائسهم ومعابدهم وجعل لهم أن يتبعوا أحكام دينهم في معاملاتهم وأحوالهم الشخصية، والأصل في هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - في شأن الذميين (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وجميع العهود التي كانت تعطي للمعاهدين كان يقرن فيها بالتأمين على الأنفس والأموال التأمين على العقائد وإقامة الشعائر، وفي عهد عمر لأهل إيليا ما نصه (أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسائر ملتهم، لا تسكن كنائسهم ولا ينقص منها ولا من خيرها ولا من صلبهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم)، فالإسلام في تكوين العقيدة أطلق للعقل عنان النظر، وفسح له في مجال البحث والتفكير في الآيات والدلائل، وفي حماية عقائد المسلمين أحاطها بما يكفلها ويحفظها وترك أرباب كل دين وما يدينون به.
حرية الرأي:
الإسلام في شأن هذا الحق نظر إلى موضوع الرأي: إما أن يكون أمرًا دينيًا، أو غير ديني.
فإن كان الأمر غير ديني، فلكل فرد أن يبدي رأيه فيه حسبما يراه، ويعرب عنه بالوسيلة الميسورة له، وقد حدث في صدر الإسلام وبعده عدة حوادث تدل على حرية الرأي وإقراره في هذه المواضع: من ذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أشار على المسلمين في بعض الغزوات أن ينزلوا موضعًا معينًا، فسأله أحد الصحابة: أهذا منزل أنزلكه الله ؟ أو هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة..... قال الصحابي للرسول: ليس هذا بمنزل،.. وأشار بإنزال المسلمين منزلاً آخر، وتحولوا، واختلاف أبي بكر وعمر في حكم الأسرى على مسمع من الرسول خبره مستفيض، وكذلك اختلاف كبار الصحابة في شأن الخلافة وكثير من الشؤون.
وأما في الأمور الدينية فلكل واحد أن يجتهد فيها، ويرى الرأي الذي يوصله إليه اجتهاده، ما دام اجتهاده في غير موضع النص، ورأيه في حدود أصول الدين الكلية ونصوصه الصحيحة: وذلك أن الإسلام جعل القياس أحد أصوله، ومصدرًا من مصادر التشريع فيه، والقياس هو إلحاق الأشباه بالأشباه، والنظائر بالنظائر، لاستنباط الأحكام التي لم ينص عليها، وفي هذا الإلحاق والاستنباط مجال فسيح للرأي، ومتسع عظيم للنظر، وفي جعله مصدرًا تشريعيًا اعتبار للرأي وتقرير لحقه.
وكذلك جاء في السنة، أن كل مجتهد مأجور: إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، فالمثوبة على الاجتهاد، سواء أدى إلى خطأ أو صواب، دليل على تقدير الإسلام للرأي وإقراره هذا الحق.
ويؤيد هذا ما ورد في كثير من النصوص من ذم التقليد والنعي على المقلدين الذين يهملون عقولهم ولا يحررونها من أسر التقليد، وما جاء على ألسنة كثير من المجتهدين من التصريح بأنهم ما اجتهدوا ليقلدوا، وإن آراءهم لأنفسهم وخطأهم عليها.
فليس في أصول الإسلام ونصوصه ما ينافي حرية الرأي المعني الذي بيناه، بل فيها ما يؤيده ويقرره، وأما ما ورد عن ابن عباس من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)، وما ورد عن أبي بكر من قوله: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلت في كتاب الله برأي ؟).. فهو محمول على الرأي الذي يستند إلي مجرد الهوى ولا يعتمد على مصلحة عامة ولا أصل ديني كلي.
وأما ما حدث في الإسلام من سد باب الاجتهاد وإيجاب التقليد لأئمة معينين، فإن هذا ليس من مقتضى أصول الدين أو نصوصه وإنما هو علاج لجأ إليه المتأخرون سدًا لباب الفوضى، فهو من قبيل ارتكاب أخف الضررين وأهون الشرين، ولو وفق المسلمون إلى علاج تلك الفوضى ما كان في الإسلام مانع من الاجتهاد.
حرية التعليم:
الإسلام نص على أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ونفى أن يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ولم ينص على أنواع معينة من العلوم وحظر ما عداها، فكل علم يوصل إلى مصلحة دنيوية أو دينية فهو مطلوب وهو حق مشاع بين أفراد الناس ذكورهم وإناثهم، وليس في أصول الإسلام ما يدل على أنه يضيق بعلم أو يقف في سبيل تعليم بل إن في حوادث التاريخ دليلاً على أن المسلمين وسعت صدورهم وبلادهم مختلف العلوم وطبقات العلماء الذين ما وجدوا في غير الإسلام متسعًا لعلومهم ونظرياتهم، وإن ما نقل إلى العربية من علوم الفرس على يد ابن المقفع وأضرا به، وما عرب من علوم اليونان في عهد المنصور والرشيد والمأمون، وما كانت عليه حال العلم والتعليم في معاهد بغداد وقرطبة وسمرقند، دليل على تقدير الإسلام لحرية العلم وتأييده للتعليم، وكيف لا يتفق الإسلام وحرية التعليم، وأول أسس الإسلام أن يكون الإيمان عماده البرهان والحجة والنظر في ملكوت السماوات والأرض !، وهذا النظر يحتاج إلى مختلف العلوم وتعرف كثير من النظريات !.. وكيف يكلف المسلمون بقوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) إذا كان في الإسلام ما يقيد حريتهم في إعداد القوة بحظر البحث في أنواع من العلوم أو الفنون التي تتطلبها حاجات الإعداد في مختلف العصور.
فالحقيقة الثابتة أن الإسلام يقرر حرية العلم، بل يجعل طلبه فريضة محكمة على مسلم ومسلمة، وما يرمي به المسلمون من اضطهاد أنواع من العلوم في بعض العصور، فليس سببه أمرًا في طبيعة الإسلام، وفيما كتبه الأستاذ الإمام في كتابه (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) مقنع لمن في نفسه ريب.
المساواة:
المساواة شعار من أظهر شعار الإسلام، ونصوصه وأحكامه ناطقة بتقريرها على أكمل وجوهها: وذلك أن الإسلام لا يفرق بين واحد وآخر في الخضوع لسلطان قانونه، وليس فيه فرد فوق القانون مهما علت منزلته، وأمير المؤمنين والوالي وكل واحد من الأفراد متساوون في أحوالهم المدنية والجنائية، لا يمتاز واحد بحكم خاص ولا بطرق محاكمة خاصة بل جمعيهم أمام القانون سواء.
وكذلك لا يميز الإسلام واحدًا عن واحد في التمتع بالحقوق: فلم يجعل منزلة أو ميزة حقًا لأفراد أسرة معينة، لا يستمع بها سواه، بل ناط الأمر بالعمل له، ومهد السبيل لكل عامل، فكل مناصب الدولة من إمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها حق مشاع بين أفراد الأمة، لا يحول بينه وبينها نسب أو عصبية، وينطق بهذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لبني هاشم: (يا بني هاشم، لا يجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
وفي كثير من النصوص تقرير المساواة وجعلها من شعائر الإيمان، كقوله تعالى (إنما المؤمنون أخوة)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (إخوانكم خدمكم)، وقوله عليه السلام: (الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحمر على أسود ولا لعربي على عجمي).
وفي كثير من الأحكام تحقيق هذه المساواة: ففي الحج كلهم بلباس واحد عراة الرءوس لا يلبسون مخيطًا، وفي الصلاة كلهم في صفوف متساوية، وفي التناصح للوضيع على الرفيع ما للرفيع على الوضيع، وفي الجنايات النفس بالنفس والعين بالعين والجروح قصاص....، وهكذا في سائر الأحكام الإسلامية الناس سواسية، وقد كانت هذه المساواة في صدر الإسلام شعار المسلمين في حربهم وسلمهم؛ وكان الذميون والمعاهدون يستمتعون في بلادهم بنعمة هذه المساواة عملاً بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - (من آذى ذميًا فأنا خصمه يوم القيامة).
عبد الوهاب خلاف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://lawer2004.ahlamontada.com
 
بحوث ومقالات السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى المستشار أحمد عصام السيد :: المنتدى القانونى :: أبحاث قانونية-
انتقل الى: